القرطبي
51
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول : أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك » « 1 » . خرّجه ابن ماجة في سننه من حديث بريدة وإسناده صحيح . فقوله : « يجيء القرآن » أي : ثواب قارئ القرآن ، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان الكلابي قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تتقدمه سورة البقرة وآل عمران » وضرب لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال : « كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما » « 2 » . قال علماؤنا : فقوله : « تحاجان عن صاحبهما » أي : يخلق اللّه من يجادل عنه بثوابهما ملائكة ، كما جاء في بعض الحديث : « أنه من قرأ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [ آل عمران : 18 ] خلق اللّه سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة » . قلت : وكذلك يخلق اللّه من ثواب القرآن والصيام ملكين كريمين فيشفعان له ، وكذلك إن شاء اللّه سائر الأعمال الصالحة ، كما ذكر ابن المبارك في « رقائقه » : أخبرنا رجل ، عن زيد بن أسلم ، قال : بلغني أن المؤمن يتمثل له عمله يوم القيامة في أحسن صورة وأحسن ما خلق اللّه وجها وثيابا ، وأطيبه ريحا ، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمّنه ، وكلما تخوف شيئا هوّن عليه ، فيقول له : جزاك اللّه من صاحب خيرا ، من أنت ؟ فيقول : أما تعرفني وقد صحبتك في قبرك وفي دنياك ! أنا عملك كان واللّه حسنا ، فلذلك تراني حسنا ، وكان طيبا فلذلك تراني طيبا ، تعال فاركبني فطالما ركبتك في الدنيا ، وهو قوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ [ الزمر : 61 ] الآية ، حتى يأتي به إلى ربه عز وجل فيقول : يا رب ، إن كل صاحب عمل في الدنيا قد أصاب في عمله ، وكل صاحب تجارة وصانع قد أصاب في تجارته ، غير صاحبي هذا قد شغل فيّ نفسه ، فيقول اللّه تعالى : فما تسأل ؟ فيقول : المغفرة والرحمة ، أو نحو هذا . فيقول : فإني قد غفرت له ، ثم يكسى حلّة الكرامة ، ويجعل عليه تاج الوقار ؛ فيه لؤلؤة تضيء من مسيرة يومين ، ثم يقول : يا رب إن أبويه قد شغل عنهما وكل صاحب عمل وتجارة قد كان يدخل على أبويه من عمله ، فيعطي أبويه مثل ما أعطي ، ويتمثل للكافر عمله في أقبح ما يكون صورة وأنتن رائحة ، ويجلس إلى جنبه ، كلما أفزعه شيء زاده ، وكلما تخوّف شيئا زاد خوفا منه ، فيقول : بئس الصاحب أنت ، ومن أنت ؟ فيقول : أما تعرفني ؟
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 3781 ) بإسناد ضعيف ، وقال الألباني : « ضعيف يحتمل التحسين » . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 805 ) .